قالت الإذاعة الألمانية "دويتشه فيله"، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدّم وصفًا واضحًا إلى حدٍّ ما لما قد تبدو عليه المرحلة المقبلة من الحرب مع إيران. فقد صرّح بعد الموجة الأخيرة من الضربات الأمريكية بأن الإيرانيين حاولوا إعادة بناء معدات الرادار الخاصة بهم . وقال: "انتظرنا حتى أوشكوا على الانتهاء من بنائها، ثم ضربناها".

 

وشنت القوات الأمريكية يوم الثلاثاء، هجومًا جديدًا على عدة أهداف في إيران. ووفقًا للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، شملت الأهداف المدمرة "مواقع الدفاع الجوي، وأنظمة الرادار، والأصول والمنشآت البحرية، وقدرات زرع الألغام، ومواقع الاتصالات".

 

وردّت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على منشآت أمريكية في المنطقة. وبذلك، انتقلت الحرب إلى ما أشارت إليه القيادة المركزية الأمريكية قبل أيام قليلة كاستراتيجية محتملة للمرحلة التالية.

 

بحسب موقع "أكسيوس" الإخباري، كانت إسرائيل تدرس شنّ ضربات محدودة، على فترات منتظمة إذا لزم الأمر، لمنع إيران من إعادة بناء قدراتها العسكرية في مضيق هرمز. واستخدم ممثل للحكومة الأمريكية مفهومًا من السياسة الأمنية الإسرائيلية لوصف هذه الفكرة، حيث أطلق عليها اسم "جزّ العشب".

 

ويشير هذا التشبيه إلى استراتيجية لا تعد حتى بهزيمة الخصم هزيمة نهائية، وتكتفي تقليص قدرات العدو العسكرية بشكل دوري إلى الحد الذي يبقى فيه التهديد تحت السيطرة، وعندما يعود الوضع إلى ما كان عليه، يتم "جزّه" من جديد.

 

وبحسب التقرير، فإنه إذا تم تطبيق ذلك على الوضع في إيران، فإن هذا يعني أن الولايات المتحدة ستراقب القدرات العسكرية التي يعيد العدو تشكيلها، وستشن هجومًا بمجرد تجاوزها عتبة معينة.

 

نجاحات لن تدوم


حققت الولايات المتحدة بعض النجاحات العسكرية خلال الأشهر القليلة الماضية. فقد قلصت القوات الأمريكية بشكل كبير القدرات العسكرية الإيرانية في مضيق هرمز، وبدأت بإزالة الألغام البحرية الإيرانية.

 

لكن هذه النجاحات لن تدوم. فطهران تعمل على إصلاح أو شراء منشآت رادار جديدة، ومواقع مضادة للطائرات، وصواريخ مضادة للسفن. وبالتأكيد، تستطيع القنابل الأمريكية تدمير مواقع إيرانية مهمة بضربات دقيقة، لكن القاعدة الصناعية للتكنولوجيا العسكرية الإيرانية ستبقى قائمة.

 

وستواجه الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا الخيار نفسه: إما أن تقبل بأن طهران تستعيد قدراتها، أو أن تهاجم مجددًا وتدمرها.

 

حذرت منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، في وقت مبكر من شهر أبريل من أن هذا التطور قد يؤدي إلى "صراع طويل الأمد منخفض الحدة تتخلله تدخلات أكثر كثافة".

 

تحذيرات ترامب العدائية


وفقًا للتقرير، فإن حقيقة أن استراتيجية "جز العشب" تقترب من حدودها القصوى تعود أيضًا إلى أنها لم تُصمم أصلاً لحرب مع دولة. فقد طورت إسرائيل هذه الاستراتيجية لمواجهة جهات فاعلة غير حكومية مثل "حماس".

 

مع ذلك، وكما أشارت يعقوبيان في مقالها، حذر الأكاديميون الإسرائيليون الذين صاغوا المصطلح في البداية من أنه إذا كان الخصم يتمتع بخصائص الدولة و/أو قدرات أقوى، فقد تصبح استراتيجية "جز العشب" استراتيجية عسكرية عفا عليها الزمن. وهذا هو الحال بوضوح مع مضيق هرمز.

 

ويتعين على الولايات المتحدة إبقاء المضيق مفتوحًا بشكل دائم. أما إيران، فكل ما عليها فعله هو إقناع الناس بأن المرور لا يزال خطيرًا، وبهذه الطريقة، حتى الخصم الضعيف جدًا قادر على إلحاق خسائر فادحة بواشنطن.

 

وبحسب تقييم التقرير، تتمثل مشكلة أخرى تواجه الولايات المتحدة في أنه بينما تستطيع واشنطن تحديد شدة هجماتها، فإنها لا تملك أي سيطرة على رد طهران. وحذر ترامب هذا الأسبوع، طهران من شن ضربة انتقامية، مهددًا بأن إيران ستُباد تمامًا كدولة إذا فعلت ذلك.

 

ومع ذلك، أطلق النظام في طهران صواريخ على المنشآت الأمريكية في المنطقة. وأفاد الأردن وحده بإطلاق 13 صاروخًا باليستيًا عليه، تمكن من اعتراض 10 منها.

 

المسألة النووية


لكن يعقوبيان تعتقد أن الهجمات الأمريكية المتكررة تنطوي على مخاطر أكبر بكثير. وتحذر من أنها قد تدفع طهران إلى استنتاج أن "السعي وراء السلاح النووي" هو السبيل الوحيد لتحقيق "ردع دائم". وهذا يشير إلى أنه من خلال مهاجمة إيران، قد تُسرّع الولايات المتحدة وإسرائيل في الواقع عملية التطوير التي تسعيان إلى السيطرة عليها.

 

من وجهة نظر واشنطن، يشير التقرير إلى أن البدائل المتاحة أمام ترامب لا تبدو أفضل حالاً. فإذا قبل بإعادة إيران بناء قوتها العسكرية حول مضيق هرمز، فإنه يُخاطر بتجدد الهجمات على الملاحة البحرية وتعطيل أحد أهم طرق الطاقة في العالم.

 

وأوضح أن تداعيات ذلك على الاقتصاد العالمي معروفة جيدًا. ورغم الاضطرابات والمفاوضات المتكررة ، فقد فشل التوصل إلى اتفاق سياسي بين واشنطن وطهران حتى الآن بسبب خلفات تبدو مستعصية على الحل.

 

هل ستكون هذه "الحرب الأبدية" القادمة لأمريكا؟


بالنسبة لترامب، يقول التقرير إن "تبسيط الأمور" له جاذبية داخلية، على الرغم من عدم اليقين الذي يجلبه للسياسة الخارجية. سيتمكن الرئيس الأمريكي من تجنب الاحتلال، وبناء الدول، ونشر أعداد كبيرة من القوات البرية الأمريكية.

 

وفي الوقت ذاته، يسمح له ذلك بالنأي بنفسه عن ما يسمى "الحروب الأبدية" التي اتهم أسلافه في البيت الأبيض مرارًا وتكرارًا بشنها.

 

لكن في نهاية المطاف، قد تتحول هذه الطريقة المفترضة لتجنب حرب لا نهاية لها إلى حرب بحد ذاتها. تصفها يعقوبيان بأنها "استراتيجية استنزاف سيزيفية لا نهاية لها"، فما دامت واشنطن غير مستعدة في مرحلة ما لقبول إعادة بناء قدرات إيران، فإن كل هجوم ناجح لا يعدو كونه مبررًا للهجوم التالي.


https://amp.dw.com/en/trumps-iran-strategy-could-this-become-a-forever-war/a-78875030